الشيخ محمد الصادقي
232
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
على النظافة والنزاهة من رواسب الفحشاء من الجاهلية الجهلاء ، وتأديباً للعناصر الملوثة التي تقارفها من الرجال والنساء ، مع فتح السبيل حاضراً ومستقبلًا للخروج عن تبعة الفحشاء ، وعضلًا للنساء عن بعض حقوقهن إن أتين بالفحشاء ، وإيفاءها لهن إن لم يأتين . وهاتان الآيتان هما أولى ما نزلت في حدّ الفاحشة زناً ولواطاً ومساحقة ، فإن كلًا فاحشة واللواط أفحش الفاحشة ، مهما اختصت فاحشة المساحقة بنص السنة ، فأما الزنا : « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا » « 1 » ثم اللواط : « وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ » « 2 » . ذلك وإن كانت الفاحشة تعم هذه الثلاث إلى سائر المعاصي الفاحشة حد العصيان أو الفاحشة إلى غير العاصي ، ولكنها هنا بمناسبة الموضوع نساءً ورجالًا ردف بعضٍ هي الفاحشة الجنسية في ثالوثها النجسة النحسة ، دون عموم الفاحشة ولا خصوص الزنا إذ لم يأت باسمها . ثم « الْفاحِشَةَ » دون « فاحِشَةً » مما تزيدها بياناً لخاصتها دون عامتها ، واختصاصها بفاحشة الزنا غير وأرد مهما كانت هي السابقة إلى بعض الخواطر ، ولكنها في « اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ » ليست لتشمل اللواط - مهما عني من « يَأْتِيانِها » استخداماً لمرجعها - حيث المرأة لا تلوط ولا يلاط بها ، فإن إتيانها من دبرها لغير حليلها زناً كإتيانها من قُبُلها . فلا تعني إتيانهن الفاحشة إلا الزنا والمساحقة ، والرواية المفسرة لها بالزنا « 3 » تعني أبرز مصاديقها فيهن . ولعل « يَأْتِينَ » دون « أتين » تلمح إلى دائب الإتيان ، دون مرة يتيمة تابت عنها أم لم تتب ، وقد تؤيده « فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ » دون « حتى يتبن » . ولكن لا نرى فرقاً أدبياً بين الصيغتين إلا بفارق المضي والاستقبال ، والثاني أوسع نطاقاً حيث المضي يختص الحكم بنفسه ، ثم وهذا الحد نافذ منذ نزول الآية ولا يشمل ماضي الفاحشة .
--> ( 1 ) ) 17 : 32 ( 2 ) 27 : 54 ( 3 ) ) عن الراوندي أنه مروي عن أبي جعفر وأبي عبداللَّه عليهما السلام